حكايات عن القات والسياسة!
نعرف جميعاً أن قرار منع مضغ
القات في جنوب الوطن كان الحسنة الوحيدة التي أجمع بعد الوحدة كل شركاء
الوطن الموالعة على إلغائها.. ولا يمكن أن يفكر أي حراكي سلمي أو مسلح أن
يطالب مثلاً بإعادة العمل بقانون المنع الجنوبي، وخاصة أن مصاريف القات هي
إحدى نفقات الحراك التي تدفع للمشاركين في الفعاليات جنباً إلى جنب
التكاليف الأخرى (مواصلات، طعام وشراب) إن لم تكن هي الأكثر أهمية! وفي
مدينة مثل عدن صار معلوماً أن فعاليات الاحتجاجات الانفصالية تنتهي مع قرب
وقت الغذاء والتخزين حيث يستلم المشاركون حق القات والغذاء وينصرفون إلى
بيوتهم.
والذي نعرفه يقيناً أن منع مضغ القات في جنوب الوطن لم يؤدِّ كخطوة
أولى إلى اقتلاعه نهائياً، وانضمت في الثمانينيات خاصة إلى قائمة المخزنين
جماعة نوعية، وهي النساء اللائي انتشرت بينهنّ هذه العادة! ولم تأتِ الوحدة
حتى عاد كل شيء إلى أصله، وأثبت القات أنه هو الحاكم الحقيقي للبلاد.. وفي
حكاية أخرى أنه الحامي الحقيقي للبلاد وأمنها.. أو كما حكى القيادي
الماركسي المصري رفعت السعيد عن الرئيس السابق علي ناصر محمد أنه استقبله
في مقيل الخميس، ووجد في الغرفة كل قيادات الدولة العسكريين والمدنيين،
ولما أبدى له خشيته أن ينتهز أحدهم الفرصة ويقوم بانقلاب؛ رد عليه علي ناصر
قائلاً: "ومن هذا المجنون الذي سيترك مقيل القات لينفذ انقلاباً للاستيلاء
على.. السلطة؟".
وبالمناسبة فقد كان لقرار المنع بعد سياسي بسبب تضرر مناطق زراعته،
والتي هي المناطق التي توصف بأنها خزان الجيش من الضباط والجنود، والتي
صارت بعد سنوات هي مناطق الحكم الحقيقية في البلاد! ورغم أن القرار استثنى
تلك المناطق لكن الضرر وقع على أية حال، وأذكر أن شعارات ترددت يومها في
مظاهرات احتجاجية في تلك المناطق على قرار المنع مثل "عبد الفتاح يا
كهنوت.. الشجرة تعيش وأنت تموت!".. ولا شك أن تحميل الرئيس السابق عبد
الفتاح إسماعيل مسؤولية القرار لا يخرج عن كونه أحد مظاهر الصراع الداخلي
بين أجنحة الحزب الحاكم.. وإلا فإنه يستبعد أن يكون القرار فردياً في مثل
ذلك النظام ولحساسية موضوع القات من جميع النواحي!
في يناير قبل الماضي؛ رأيت المناضل والسياسي اليمني المعروف الأستاذ
محسن العيني أمامي في طابور الجوازات في مطار القاهرة.. وتذكرت سؤالاً كان
دائما يلح عليّ حول صحة واقعة لقائه بالصحفيين في السبعينيات على هامش قرار
حكومة العيني في البدء في مكافحة القات وتقليص زراعته، ووعده لهم في آخر
اللقاء وهو يحثهم على الإسهام في الحملة ضد القات بأن "حق القات.. عليّ!"..
وكنت أريد أن أتأكد: هل الواقعة تشنيعة عليه من المخزنين المستهجنين
للقرار أم أنها وقعت بالفعل على سبيل النكتة منه؟ وانتهزت فرصة جلوسه على
مقعد انتظاراً لوصول الحقائب، فذهبت إليه وعرفته بنفسي، وسألته عن حقيقة
حكاية: "حق القات.. عليّ".. فابتسم بودّ وكأنه يعيش الواقعة لحظتها، وأكد
أن الحكاية صحيحة، وقد قالها على سبيل المزحة بالطبع!
ولا شك أن المجتمع اليمني عرف مبادرات عديدة للحد من ظاهرة القات
وزراعته لكن نجاحها يظل أمراً مشكوكاً فيه.. والظريف أنه في ندوة عن ثورة
26 سبتمبر جاء الحديث عن تنظيم الضباط الأحرار وكيف كان يلزم أعضاءه
بالتوقف عن أي دور حزبي، ومما قاله يومها الأستاذ عبد الوهاب جحاف (أحد
قيادات الجناح المدني للثورة) أن التنظيم كان يمنع الأعضاء العسكريين من
تناول القات أثناء الجلسات التنظيمية؛ لكن المناضل عبد الله عبد السلام
صبرة علق قائلاً وهو يخبط جبهته بيده علامة الكيف: "والله إنا كنا نخزن
لما...!".. لا أذكر الكلمة ولكن معناها: نشبع.. نكيف!
ووفق تصريحات بعض اليمنيين المعارضين لقرار منع القات في بريطانيا؛
فرئيس الوزراء البريطاني كاميرون قد يكون مقبلاً على مشكلة سياسية
وقانونية مع الجاليات المخزنة وفي مقدمتهم قطعاً: الجالية اليمنية.. التي
لوح بعضهم برفع الأمر إلى القضاء (ربما تحت شعار: سلام الله على مارجريت
تاتشر وجولدا مائير).. ولو توفر زباجون في الجالية لحاججوا كاميرون في
قراره بأنه بحاجة أولاً إلى تجريب مضغ القات إن لم يكن مقتنعاً بالتقارير
العلمية التي تبرئه أن يكون من جنس المخدرات.. ولا يستبعد أن تعرض عليه
قيادة الجالية استضافته هو وأعضاء الحكومة (الموقرة) وأعضاء اللجنة
البرلمانية (الدبور!) في جلسة مقيل يمني مكتملة التقاليد حتى يكون قرارهم
عن بينة وتجربة! وفي الراجح أن الخبرة سوف يغيرون قناعتهم بعد التخزين،
ويصنعون مثل ذلك المدرس المصري الذي أرسل للعمل في منطقة جبلية شديدة
الوعورة في اليمن، وكان قبل سفره ينتقد دعوة اليمنيين له لمضغ القات قائلاً
بلهجة مستعلية: "ليه.. هو أنا.. معزة؟".. وفي أول زيارة له للمدينة بعد
قضاء فترة في قمم الجبال عاد وفمه محشواً بالقات على الآخر، والجعامة تصلح
أن يكتب عليها: "يا ناس يا شر.. كفاية قر!".
الشخص الذي حذر من أن تناول القات سوف سينتقل من العلن إلى السر في
بريطانيا لم يكن مبالغاً؛ إن لم يكن يتحدث من واقع خبرة من تاريخ الأجداد..
ففي عدن في الخمسينيات وعندما منعت سلطة الاحتلال الإنجليزي بيع ومضغ
القات تحداها المواطنون وبدأوا يذهبون في طوابير طويلة من السيارات إلى
منطقة دار سعد التابعة لسلطنة لحج للمقيل.. وعندما منع القات إلا يومين في
السبعينيات كان الموالعة يشترون كميات تكفي أيام الأسبوع، ويمضغون القات في
طقوس سرية وخاصة، وكانوا في العادة يرابطون بجوار بائعي القات في الساعات
الأخيرة من يوم الجمعة وهم يراودونهم أن يبيعونهم ما تبقى من القات بسعر
رخيص قبل أن يصل رجال الشرطة للإشراف على بدء وقت الحظر بما فيه مصادرة
الكميات غير المباعة.. وكعادة ابن آدم كان المقاوتة يتمنعون ويكابرون؛ حتى
إذا ظهرت الشرطة من بعيد يهرعون لبيع رزم القات وهم يرمونها على الموالعة:
"يا الله.. من شلن.. من نص شلن!".
وبالطبع لم يكن للموالعة أن يستسلموا بسهولة أمام قرار المنع،
ورأيت في الأيام الأولى في منزل أحد أقربائي الموالعة أكياس القات مرصوصة
على رف في غرفة التخزين الخاصة به وكأنها أكياس في محل بهارات.. وقد أوحت
لي تلك الحالة بكتابة قصتين قصيرتين الأولى بعنوان "عودة الباغة" نشرت في
مجلة طلابية جامعية بداية الثمانينيات، والأخرى باسم "حنش حكومي" لما تنشر
بعد، وما تزال محفوظة بين أوراقي ليوم ما! وفي القصتين كان لهؤلاء الموالعة
الذين يتحدون أو يخالفون القانون دور! ومما ذاع في عدن أيامها من حكايات
الموالعة ما قيل إنه وقع مع أحد المطربين المعروفين (أظنه طه فارع) الذي
كان مخزناً في البيت في أحد أيام المنع، وفجأة وقعت مشكلة بين أولاده
وأولاد الجيران في الشارع فنزل مسرعاً ليرى ماذا يحدث ناسياً أنه في حالة
تلبس بجريمة، ويقال إنه ألقى القبض عليه، وسيق إلى قسم الشرطة قبل أن يتدخل
آخرون ويطلقون سراحه تقديراً لدوره الفني المعروف!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق